جمال عبد الرحيم عربي

الحلقة الثانية: لا مناص عن حرب الأفكار

لقد تعرضنا في الجزء الأول من مقالتنا هذه للجذور الرئيسية التي أدت لبروز التطرف والإرهاب المنسوب للدين الإسلامي حالياً. كما أوضحنا أن مرجعيات التفسير السلفي للنصوص الدينية المُعتمَدة من قبل المؤسسات الرسمية والشعبية كهيئات "العلماء" والأزهر، وما إلى ذلك، هي نفس المرجعيات التي تقوم عليها الحركات الجهادية التكفيرية.

شمولية التطرف

الحالي تشهد على

أن الأمر قضية

فكرية أصيلة

فطالما يستقي الإرهابيون من ذات المنابع، تصبح الفروقات بين ما يحمله حاملو السلاح من فكر وغيرهم ممن لا يؤمن بالعنف، اختلافات شكلية. أهم من ذلك، يصبح من المستحيل على حملة الفكر السلفي ممن لا يؤمنون بالعنف لسبب أو لآخر، أن ينتصروا على حملة الفكر المتطرف والإرهابي نسبة لافتقادهم للمصداقية المعرفية المخالفة لهم على مستوى الأصول المؤسِّسة.

إن القبول بهذه الحقيقة من قِبَل الساسة والمفكرين والباحثين ضروري وحاسم إن أرادوا فعلاً محاربة الإرهاب القائم اليوم. إن ما يدفعنا لهذا التأكيد وزيادة التركيز عليه هو الخطأ الذي يقع فيه الكثير من الساسة والمحللين عندما يواصلون إنساب ظاهرة التطرف والتشدد والقسوة البالغة في معاملة الخصوم لدرجة إستباحة دمائهم، لأمرٌ مستحدث أو دخيل، ذو أسباب ودوافع إقتصادية أو إجتماعية وسياسية آنية كقضية فلسطين أو حرب العراق. بينما أدبيات التنظيمات المتطرفة متخمة بالنصوص والسوابق الدينية التي تبرر أعمالهم الوحشية بما في ذلك الذبح والحرق والسبي وهي أفعال موجودة ومعترف بحجيتها في داخل المنظومة السلفية، وذلك بغرض إنشاء دولة الخلافة الإسلامية وليس لأي اعتبارات سياسية أو اقتصادية أو غيرها!

اغتيال الرئيس أنور السادات: إحدى مقدمات الموجة الإرهابية الحالية

بالنظر للتاريخ القريب نجد أنه وفي القرنين الماضيين حققت حركات إسلاموية عديدة انتصارات عسكرية وسياسية بمناهج شديدة الشبه بما تقوم به الحركات الإسلاموية الإرهابية الحالية كالحركة الوهابية بالجزيرة العربية، والحركة المهدية بالسودان؛ وذلك على الرغم من عدم وجود تلك القضايا التي يحاول بعض السياسيين والمفكرين ربط الإرهاب بها واعتبارها محركاً له كقضية فلسطين أو العراق أو الظلم وعدم التوازن السياسي على مستوى العالم الناتج عن إنهيار المعسكر الشرقي وسيطرة التوجه الرأسمالي. يؤكد ذلك أيضاً، أن الموجة الإرهابية الحالية، بكل أساليبها كالتفجيرات العشوائية والذبح للبشر،  بدأت بأقطار الشرق الأوسط متزامنة مع إغتيال الرئيس المصري أنور السادات أواخر 1981 وامتدت لتشمل الجزائر في عام 1991، حيث كانت الأهداف الرئيسية للإرهاب في كلا الحالين، إنشاء دولة إسلامية عبر الإستخدام المكثف للقتل والذبح العشوائي. بل إنه حتى في اللحظة الراهنة يوجد العديد من التنظيمات الإرهابية الإسلاموية كحركات طالبان الباكستانية وحركة بوكو حرام النيجيرية وما شابههما، تدُلّ أفكارها وأفعالها، بعدم وجود ما يجمعها غير الكراهية للغرب وقيم الحداثة، والرغبة في إرجاع عقارب ساعة الحياة إلى القرن السابع الميلادي.

الفكر السلفي يتمتع

بحضور واسع في

جميع مفاصل الدولة

في العالم الإسلامي

تقف شمولية التطرف والإرهاب الحالي المستند على أرضية الإسلام السلفي، خاصة الوهابي، وامتدادها عبر كل خطوط الطول والعرض، متجاوزة للفروقات الاقتصادية والإجتماعية والسياسية بين الأقطار، شاهداً آخر على أن الأمر إنما هو قضية فكرية أصيلة. فماذا غير الأيديولوجية الخبيثة يمكن أن يجمع بشراً من نيجيريا وفرنسا والسعودية وبريطانيا والفلبين والكويت وصحراء مالي وجبال أفغانستان مع آخرين بفلوريدا وكاليفورنيا وروسيا وليبيا وبلجيكا، إلى آخر تلك القامة الطويلة. ما الذي يجعل بشراً من أصول شيشانية يقتلون آخرين أمريكيين ببوسطون ليس لدى دولتهم صلة من الأساس بما حدث لأهليهم بروسيا؟ والأمثلة أكثر من أن تحصى في الواقع؟

لا شك في أن الحرب في مستواها العسكري والسياسي الدائرة الآن ضد الجماعات الإرهابية مبرّرة تماماً وضرورة لا خلاف على أهميتها ودعمها. بيد أن الانتصار الحاسم والنهائي مستحيل في رأينا، ما لم يصاحب ذلك حرب من نوع آخر، ونقصد هنا "الحرب" الفكرية.

إن هزيمة التطرف والإرهاب فكرياً ليست نزهة، فحرب الأفكار لها مطلوباتها واشتراطاتها. كما أنها تتطلب رؤية وإرادة سياسية قوية من قِبَل القوى التي يهمها أمر الإنتصار فيها، خاصة أن قضية فصل السياسة عن الدين، بإعتبارها أحد المطلوبات الهامة، أمر في غاية الصعوبة في العالم الإسلامي. يكفي شاهداً على ذلك أن تجعل الدولة المصرية "العلمانية" من نفسها، كمثال، عدو وخصم لأحد رموز التنوير الذين ينطلقون من الإسلام نفسه في اتجاه خلق خطاب ديني جديد يحقق الانسجام المُبتغى بين تعاليم الدين الإسلامي وقضايا وقيم العصر، وهو الباحث إسلام بحيري الذي سجن بسبب آرائه التي فشل السلفيون في دحضها فاستعانوا بأجهزة الدولة لإسكاته. الأغرب من ذلك أن هذه الدولة نفسها تعيش في حالة صراع عسكري مكشوف مع المتطرفين والإرهابيين وتحتاج أكثر من غيرها لرؤية دينية جديدة تضعضع الأساس الفكري الذي يجذب الشباب إلى التطرف!

إسلام بحيري: سُجن بسبب آرائه التي فشل السلفيون في دحضها

إنه وعلى الرغم من الوضع الفكري القاتم في العالم الإسلامي إلا أن هنالك أمرا مُشجِّعا للغاية وهو وجود قاعدة متسعة باستمرار من النشطاء والكتاب والمفكرين الإسلاميين المستنيرين الذين استطاعوا خلق خطاب إسلامي جديد جذرياً له المقدرة على الإقناع والإستمرار، بل والسيادة، إن توفّر له المناخ المناسب. لقد أصبح متاحاً ولأول مرة في التاريخ الإسلامي القريب أن تتوفر إمكانية حقيقية لدحض المدرسة السلفية باستخدام النص الديني نفسه. إضافة لذلك، فقد توفر أيضاً عنصراً جديداً يشكل فرصة مواتية في نجاح التغيير الفكري وهو وجود قيادات سياسية في الشرق الأوسط، لا يمكن التشكيك في ولائها الديني، بدأت في الانتباه لحقيقة أن التطرف والإرهاب مسألة يتوجّب معالجتها على مستوى الفكر، مثل التصريحات الواضحة للشيخ محمد بن راشد نائب رئيس دولة الإمارات العربية، حاكم دبي، والأمير سلمان بن حمد ولي عهد البحرين، وغيرهما.

تتطلب الحرب الفكرية المنشودة، إجراءات صعبة في الجانب السياسي، بيد أنها ضرورية في تحقيق النجاح المطلوب. إن الفكر السلفي يتمتع بحضور واسع في جميع مفاصل الدولة في العالم الإسلامي، بل يحظى بحماية الدولة نفسها في الصراع غير المتكافيء بينه وبين المنادين بالتجديد والعلمانية في العالم الإسلامي. والحال كذلك، يجب أن يكون واضحاً أن هنالك ضغطاً منظماً يجب أن ينشأ في الداخل عبر تجميع قدرات الإستناريين وتنظيمهم، وضغطاً آخر من الخارج، من قِبل المجتمع الدولي المتأثر بالتطرف والإرهاب؛ ضغطاً على الأنظمة التي تحمي الأفكار والمؤسسات المولِّدة للتطرف والإرهاب. من المفترض، في رأينا، أن ينتج عن تلك الضغوط ما يلي:

  • إصلاح العملية التعليمية في اتجاه إبعاد المقررات الدينية المدرسية عن التطرق لكل ما هو مرتبط بفقه المعاملات نسبة لطبيعته الخلافية من الأساس؛ وحصر التربية الدينية في مسائل العقيدة بما تحتويه من منظومة القيم والأخلاق والعبادات. كما يجب تطوير مناهج التدريس لتركّز على تنمية القدرات التحليلية والنقدية عوضاً عن أسلوب التلقين المتبع حالياً في الأغلبية العظمى من مؤسسات التعليم ما قبل الجامعي في العالم الإسلامي؛ إضافة لتحسينها بإضافة قدر كافً من المواد التي تستهدف شرح مفاهيم الفلسفة و علم الاجتماع وترسيخ مفهوم الوطنية.

  • إعادة المسجد لدوره الطبيعي كدار للعبادة و تحريره من الانغماس في السياسة والتدخل في شئون الحكم والإقتصاد والتشريع. يقتضي ذلك مراقبة الدولة لما يجري بالمساجد وتقليص قبضة الجماعات الدينية عليها، وهو أمر ينطبق على الحكومات الغربية بنفس القدر الذي ينطبق على الحكومات الأخرى، حيث من الشواهد الدالة على خطورة الدور الذي تلعبه المساجد بالغرب، أنها كانت المرتع الخصب لتربية المتطرفين الأوروبيين سياسياً وربطهم بالتنظيمات المتطرفة.

  • إبعاد المؤسسات الدينية سواءاً الرسمية أو غيرها عن العمل السياسي والقضائي والتنفيذي وحصر دورها فيما هو إرشادي واستشاري.

  • رفع القيود السياسية والإدارية الواقعة على قوى الإستنارة وإتاحة الفرص لها في المنابر العامة ومراكز البحث، وتهيئة المناخ المناسب لخطاب ديني مختلف يستند على الرسالة نفسها، ويتلاءم مع العصر، ويتفق مع القيم الإنسانية العامة التي توصلت إليها الإنسانية والتي قبلت بها منظومة الدول الإسلامية في غالبيتها.

  • إجراء إصلاحات هامة في مجال الإعلام تستهدف تحقيق التوازن المطلوب في المواد المبثوثة التي يطغى عليها الطابع الديني السلفي. من المعلوم أن حرية الإعلام منقوصة في معظم العالم الإسلامي، حيث تلعب حكوماته دوراً رئيسياً في توجيهه، لذا يصبح لزاماً عليها إعادة ضبط وتوظيف الموارد المالية التي تضخ الدم في شرايين الوسائط الإعلامية بمختلف أشكالها سواءاً تلك الموارد المقدمة من الحكومات نفسها أو تلك التي تضخّها المؤسسات الدينية السلفية ذات الإمكانيات الضخمة. لا بد أن يتحول الإعلام لنافذة للتقدم الإجتماعي والفكري وأداة لتحفيز التقدم العلمي ووسيلة لتغذية الأرواح بقيم الخير والجمال، بدلاً عن دوره الحالي الذي يكرّس الأفكار الماضوية ويبيع الأوهام للمسلمين المحرومين من معظم ماهو جميل في الحياة. والإعلام الذي يراد إصلاحه ليس ذلك الخاص بالعالم الإسلامي وحده، وإنما حتى ذلك الموجّه من الغرب. وكمثال، فإن قناة "الحرة" التلفزيونية الأمريكية و التي أنشئت أساساً لمساعدة العالم العربي في تلقي خدمات إخبارية بشكل مهني وبرامج إجتماعية أكثر إنفتاحاً وتركيزاً على قيم الديمقراطية، لا تعطي حيزاً كبيراً لقضايا التنوير الديني، وهي قضايا كما أسلفنا تمثل رأس الرمح في القضاء على التطرف والإرهاب.

لا بد من وجود بديل

فكري مقنع منطلق

من الدين نفسه

إن للضغوط السياسية، فاعلية كبيرة خاصة عندما ترتبط برؤية واضحة لما ينبغي أن تثمر عنه. لقد أدت الضغوط التي قام بها الغرب في فترة الرئيس بوش الإبن، مصحوبة بالضغوط الداخلية التي مارسها الليبراليون السعوديون، إلى إجراء بعض التعديلات في المقررات المدرسية للملكة السعودية. بل شجعت النظام السعودي للمضي أكثر حيث أقام مجلساً للشورى وأسس أول مؤسسة تعليمية مختلطة في تاريخ الجزيرة العربية، جامعة الملك عبد الله، بموافقة رسمية من السلطة الدينية التي عادة ما تذعن للنظام السياسي.

أبوبكر شيكاو زعيم حركة بوكو حرام: الكراهية للغرب وقيم الحداثة

إن الإجراءات السياسية ليست كافية لوحدها للجم الفكر السلفي وتغيير نمط تفكير المسلمين ليصبح أكثر إقتراباً من قيم الحداثة وتغليب التفكير العقلاني. لابد من وجود بديل فكري مقنع منطلق من الدين نفسه وله القابلية للإجابة عن الأسئلة المطروحة من قبل المسلم العادي وبث الطمأنينة في نفسه، حيث أنه ولمدّة طالت الألف عام كان العقل المسلم أسيراً لأفكار نتجت عن مناهج خاطئة سبق أن تعرضنا لها في الجزء الأول من هذا المقال. خلاصة تلك الأفكار أن الدين الإسلامي يحتوي على منظومة كاملة من الأحكام السماوية غير مرتبطة بتغييرات الزمان والمكان، وأن تلك الأحكام تعتبر فريضة على المسلمين و ليس لديهم الخيار في رفضها أو تغييرها، كما أن أمر الدين كلّه خاضع للمؤسسات الدينية وفئة العلماء والفقهاء.

لقد نجحت المجهودات التنويرية المعاصرة في دحض هذه الأفكار على المستوى النظري، وبالتالي فتحت الباب واسعاً في سبيل أن يتم التواؤم بين قيم الدين ومتطلبات العصر. إن الفكر السلفي ميت من الناحية النظرية، بيد أن تغيير أفكار المسلمين للتخلّص منه تحتاج لمجهودات هائلة؛ فنحن نتحدث عن نحو ألف وخمسمائة مليون مسلم جُلّهم ضحايا للفكر السلفي، مذعنين له درجة أنه لم يخرج أحد منهم للشوارع لإدانة الإرهاب باسم الإسلام، رغم أن عدد ضحايا الإرهاب من المسلمين يفوق ما عداهم، وذلك رغم تعود المسلمون على ملء الشوارع بكتل المتظاهرين إدانة لأحداث أقل من هذه بكثير.  إضافة لذلك فإننا نتحدث أيضاً عن ملايين الأئمة والدعاة والحركيين المستميتين في الحفاظ على أنفاس هذه الجثة لأنها مبرر وجودهم وتميُّزهم الإجتماعي. لكن، ورغم ذلك، فإن العالم الإسلامي اليوم أكثر حظاً في إنجاز مشروع للتنوير مقارنة بالمعاناة التي واجهها الغرب لتحقيق ذات الهدف حيث أن البشرية قطعت شوطاً بعيداً في تأطير نماذج الحداثة، وتوفير القاعدة العلمية والمعرفية وآليات النهوض. ما يحتاجه العالم الآن، صياغة الرؤية وإستراتيجية التغيير وخطط الإنفاذ.

(اقرأ الجزء الاول من المقالة)