رياض حمَّادي

الحضارة العربية الإسلامية, "حضارة نص" بتعبير نصر حامد أبوزيد, وهي "حضارة فقه" بتعبير محمد عابد الجابري. هي حضارة قول في مقابل غياب حضارة الفعل. والفرق بين النظرية والتطبيق, بين القول والعمل, هو التبرير الرائج لتخلف المسلمين تنزيها منهم لكمال نظرية الإسلام وسوء تطبيقها من قبل أتباعها.

لكن الفروقات لا تلبث أن تظهر بين أتباع النظرية الإسلامية لا سيما بين المذهبين السني والشيعي. فبالرغم من أن المرجعية الإسلامية واحدة , إلا أن التاريخ – السياسي منه على وجه الخصوص – جعل المذهبين يفترقان في أمورٍ كثيرة. نعرف من سياق التاريخ الثوري للمسلمين, أن الشيعة وأهل السنة في عهد الدولة الأموية كانوا يؤلفون حزب الثورة, مع اختلاف طرق التعبير الثوري بين المذهبين, فقد "كان الشيعة يثورون على الدولة بسيوفهم , بينما كان أهل السنة يثورون عليها بأحاديثهم النبوية – هؤلاء كانوا ينهون عن المنكر بألسنتهم وأولئك كانوا ينهون عنه بأيديهم"(1).

لنا أن نتساءل , في سياق الحديث عن سمات غالبة لا عن قوالب ثابتة :

لماذا ارتبطت ثقافة الفعل بالمذهب الشيعي  بينما تفوق القول على العمل عند أهل السُّنة ؟!

العرب مصابون

بداء ازدواج

الشخصية أكثر

من غيرهم

من الأمم

لعل جزء كبير من الإجابة يكمن في مفهومي "الازدواجية" و "وحدة الأضداد" : وهي نزوع الشخص الواحد إلى هدف بعينه والسعي إلى تحاشيه في الوقت نفسه. والإيمان بالشيء قولاً وممارسة النقيض فعلاً وتطبيقا هو من الدلائل على ازدواجية الشخصية العربية الإسلامية بين قيم البداوة وقيم الإسلام. فقد لاحظ المفكر علي الوردي, بعد دراسة طويلة لأحوال العرب, أنهم "مصابون بداء ازدواج الشخصية أكثر من غيرهم من الأمم . ولعل السبب في ذلك ناشئ عن كونهم وقعوا أثناء تطورهم الحضاري تحت تأثير عاملين متناقضين : هما البداوة والإسلام . فهم في بدء أمرهم بدو عاشوا في الصحراء, ثم جاءهم الإسلام بعد ذلك يحمل من التعاليم ما يخالف قيم البداوة القديمة. إن قيم البداوة تحرض على الكبرياء وحب الرئاسة وتفتخر بالنسب. أما الإسلام فهو دين الخضوع والتقوى والعدالة وما أشبه. ولعلي لا أبالغ إذا قلت بأن العربي بدوي في عقله الباطن, مسلم في عقله الظاهر. فهو يمجد القوة والفخار والتعالي في أفعاله بينما هو في أقواله يعظ الناس بتقوى الله وبالمساواة بين الناس" (2).

"فهو نبيل لا نظير له في النبل من جهة ومدمر لا مثيل له في حب الدمار من جهة أخرى"

هذه الازدواجية عبر عنها هيجل أيضاً, فشخصية المسلم في فلسفته تبدو مزدوجة متناقضة "فهو نبيل لا نظير له في النبل من جهة ومدمر لا مثيل له في حب الدمار من جهة أخرى". من جهة أخرى يقر هيجل بأن الروحانية الإسلامية هي "الدرجة الأرقى في الروحانية الشرقية". أما عرب قبل الإسلام فيصفهم في فلسفته بأنهم "شعب مشتت متكون من عدد كبير من القبائل الصحراوية المتنقلة المتنازعة فيما بينها ومع جيرانها بشكل لا يسمح لهم ببناء دولة متطورة ومجتمع مدني متقدم لأن حياتهم في الصحارى وحركة تنقلاتهم الدائمة تتناقض بشكل عميق مع قيام الدولة والمجتمع المدني". كما يصفهم بقوله "إن هذه الجموع من القبائل الرحالة لا تستطيع أن تحقق تطوراً وتربية بشكل ذاتي أصيل، فهي لا تكتسب الحضارة إلا بعد استقرارها في السهول التي تحتلها وتستقر فيها وإلا بعد أن تفقد طبائعها الأولى" (3).

خلاصة الصورة العامة التي تقدمها المصادر الغربية  القديمة حول العرب والإسلام تتفق على أن العرب شعب بدائي يحب العنف وبسيط العقلية وبالتالي عاجز عن أي تفكير منطقي أو إنتاج روحاني أو فلسفي جديدين (4).

قد يقول معترض بأن ضعف إسهام العرب في الحضارة الإسلامية ليس بسبب عزوف جنسهم عن الفعل الحضاري حتماً بل بسبب قصر الفترة الزمنية بين ظهور الإسلام وبزوغ الحضارة, فلم يكن من المعقول أن ينفخ الإسلام فيهم روح الحضارة في زمن قصير, ثم لعدم اجتماع عناصر العبقرية المكونة للحضارة, فالحضارة وفقاً لولتر شوبرت (Walter Schubart) "نتاج عبقرية عصر معين وليس باعتبارها نتاج عبقرية جنس معين".

لكن هل تجاوزت المجتمعات العربية حالة البداوة وعبرت إلى مرحلة المدنية ؟!

لنحاول الإجابة على هذا السؤال من خلال استعراض الفرق بين خصائص المجتمع المدني وخصائص المجتمع البدوي من جهتين هما : الدين والسياسة .

الانقلابات العسكرية

في المجتمعات

العربية هي شكل

من أشكال الانفلات

المعبر عن استمرار

حالة البداوة

"التدين في أحد معانيه يقع في مقابل البداوة .. فإذا أراد الدين أن يثير عنصر التعصب ويزيد نيران الاختلافات المذهبية ويفرض وحدة موهومة على الناس فحينئذ يقع التعارض بين التدين والمجتمع المدني ... فمشكلة الدين في المجتمعات الدينية لا تتمثل في نفس الدين بل في المتدينين وعلماء الدين الذين يستخدمونه أحياناً كوسيلة وأداة لترويج الجهل والتخلف والتنازع". والمطلوب تطهير الدين من الشوائب النفسية والرغبات الدنيوية والاعتراف بالتعدد في دائرة الدين وبدون ذلك فسوف لا نحصل لا على الدين ولا على المجتمع المدني بل سنبقى في حالة المجتمع البدوي (5).

"المجتمع الذي يدور حول محور القوة والقدرة في صياغة المشروعية لا يكون مجتمعاً مدنياً. والمجتمع الذي يسترفد حقوقه من مصادر أخرى غير توافق العامة ليس مجتمعاً مدنياً, والمجتمع الذي يسود فيه رأي واحد معترف به من قبل السلطة ويحرم فيه تعدد الآراء لا يكون مجتمعاً مدنياً (6).

هيجل: "القبائل الرحالة - لا تستطيع أن تحقق تطوراً وتربية بشكل ذاتي أصيل”

المجتمع البدوي لا يعني عدم وجود حكومة أو سلطة ولكن كيف كانت هذه الحكومة وكيف هو تعامل الحكومة مع المحكومين. فهناك فرق بين الحاكم الذي يفرض حكومته على الآخرين وبين من يختاره الناس لهذا المنصب ويفوضونه أمر الحكومة. فأطروحة المجتمع المدني لا تنفصل عن التفكير الديموقراطي حيث يتولدان معاً . في المجتمع المدني يأخذ عنصر الانفلات صورة أخرى من الانضباط وذلك بأن يختار الناس شخصاً لتدبير حكومتهم بكامل الحرية وهذا ما يسمى بالديموقراطية حيث تتحول إرادة الجميع إلى إرادة الحاكم برغبة المحكومين . فالقانون الصحيح هو الذي ينبثق من واقع الناس وباختيارهم وبهدف تنظيم حياتهم الاجتماعية وهنا يتولد المجتمع المدني (7).

وفي المجتمع المدني لا يقوم الحاكم بفرض إرادته وسلطته على المجتمع كما هو الحال في الحكومات الملكية التي حكمت عبر التاريخ الإسلامي أو الحكومات الجمهورية التي حكمت وما زالت تحكم حتى الآن. وهنا يمكن أن نستنتج أن الانقلابات العسكرية في المجتمعات العربية هي شكل من أشكال الانفلات المعبر عن استمرار حالة البداوة, ولهذا لا يتحقق المجتمع المدني في مثل هذه الأنظمة.

والخلاصة أن المجتمع المدني "ينبع من كون أفراد الشعب لهم الحق في تفويض اختياراتهم وحقوقهم إلى جهاز الحكومة ويقوم على أساس تفكيك القوى والفصل بينها وكذلك التنوع والتعددية في التيارات والآراء والأفكار, أي يتمكن الإنسان في هذا المجتمع من تحصيل المعلومات من مصادر متنوعة ويتخذ لنفسه آراء مختلفة ويجد لنفسه الحق في الحياة بكرامة وشرف في هذا المجتمع ويقوم بدوره بالإشراف على أعمال الحكومة من موقع الوعي الحضاري والقانوني" (8).

لو تأملنا حال أغلب المجتمعات العربية والإسلامية في وقتنا المعاصر لوجدنا أن البون ما زال شاسعاً بين النظرية والتطبيق, بين القول والفعل, والظاهر والباطن. ويمكن القول أن أغلب العرب والمسلمين ما زالوا يؤمنون بالقيم الإسلامية الحضارية قولاً ويطبقون خلافها فعلاً, يحبون الحضارة شعاراً واستهلاكاً ويمارسون نقيضها سلوكاً !

إن جاء المفهوم

من الخارج عُدّ

دخيلاً ويعامل

معاملة العدو

أما عن القيم والمفاهيم فلا توجد لها قيمة ذاتية عندهم إلا من حيث مصدرها, فإن جاء المفهوم من الخارج عُدّ دخيلاً ويعامل معاملة العدو. ينطبق هذا على مفاهيم حضارية مثل الديموقراطية والعلمانية والحداثة وغيرها من المفاهيم الوافدة. وصفة "الخارج" تطلق على كل قول أو فعل ثوري أو خارج على ما هو سائد حتى لو كان مصدرها الداخل. فهذه الصفة أطلقت تاريخياً على "الخوارج" ليس لأنهم خرجوا على الإمام علي بن أبي طالب فقط, بل والأهم لأنهم خرجوا على قيم المجتمع الإيمانية السائدة. وكما أن صفة "الزندقة" أطلقت قديماً على أصحاب الاتجاه العقلي من المعتزلة, فما زالت تطلق على كل مفكر حر إلى يومنا.

لهذا السبب اكتسب مفهوم الحضارة أوصافاً سلبية, ليس لأن جوهره سيئ, بل هو سيء لأنه مفهوم خارجي. وربما لنفس السبب يطالب البعض بأسلمة العلوم ومصطلحاتها الوافدة حتى تكون مقبولة وقابلة للتطبيق في البيئة الجديدة تحت ذريعة "الخصوصية" من جهة والخوف من "الغزو الفكري" من جهة أخرى. فهذه المصطلحات ليست بريئة أو محايدة ولها حمولة فكرية ومعرفية يُخشى على العرب والمسلمين من تأثيرها السلبي كما يعتقدون.

والحق أن إعادة صياغة تلك المفاهيم والمصطلحات الوافدة أمر مشروع لو لم تكن إعادة الصياغة تعني تقييدها بقيود دينية بحيث تفقد كل قيمة أو جوهر. فمصطلح مثل الديموقراطية وإن لم يتم أسلمته نظرياً إلى مصطلح "الشورى" , إلا أنه تم أسلمته عملياً حين تم اختزاله في الوصول إلى السلطة – آلياً عن طريق صندوق الاقتراع  -  دون أن يكون لمضمونه الحقيقي المقترن بالعلمانية والحداثة أي أثر في ممارساتهم الاجتماعية والثقافية.

(اقرأ الجزء الاول من المقالة)

(اقرأ الجزء الثالث من المقالة)

_________________________

1)     علي الوردي , وعاظ السلاطين , ص  248

2)     السابق

3)     حسين الهنداوي , هيجل والاسلام , لوثـرية فـي ثوب فلسَفي , مجلة نزوى , العدد 75

4)     السابق

5)     الدكتور عبدالكريم سروش , الدين العلماني , تعريب أحمد القبانجي , ص 39 , 44 , 48 , 49

6)     السابق , ص 146

7)     السابق , ص 26 , 27 , 30 , 31

8)     السابق