سعيد ناشيد

إذا استثنينا اجتهادات أحمد القبانجي وعبد الكريم شروس، فإن كل ما قيل عن القرآن الكريم، منذ وفاة الرسول إلى اليوم، لم يخرج عن مسلّمات القدامة، وعن النظرة السحرية الى العالم، حيث يبدو القرآن كأنه "كلام" و"لغة" و"أسلوب" الله الذي لا يخلو من ثلاث حالات:

أما أنه مدوّن في اللوح المحفوظ ( حسب الخطاب الفقهي )، أو صاغه الله في ظروف طارئة ( حسب الخطاب الكلامي )، أو فاض باللفظ أو بالمعنى عن الذات الإلهية ( حسب الخطابين الصوفي والفلسفي ). وفي كل أحواله ، كان القرآن يُعتبر "كلاما" صادراً عن "وعي" الله، بكل ما يعنيه ذلك من معنى ( حسب الجميع ).

إنه نفس باراديغم القدامة الذي دفع كلا من محمد شحرور ومحمد عابد الجابري إلى التسليم بأن القرآن ليس جزءاً من التراث. وهذا خطأ في التقدير، بل خطيئة في التفكير.

فقد أكد محمد شحرور في مقدمة كتاب الكتاب والقرآن أنه " لا يعتبر الكتاب ( يقصد القرآن ) تراثاً، وإنما التراث هو الفهم النسبي للناس في عصر من العصور "[1] .

وهو نفس التأكيد الذي أعلنه الجابري في الجزء الأول من مدخل إلى القرآن الكريم حين كتب يقول :

" لقد أكدنا مراراً أننا لا نعتبر القرآن جزءا من التراث. وهذا شيء نؤكده هنا من جديد، وفي نفس الوقت نؤكد أيضا ما سبق أن قلناه في مناسبات سابقة من أننا نعتبر جميع أنواع الفهم التي شيدها علماء المسلمين لأنفسهم حول القرآن... هي كلها تراث "[2].

وهكذا، إذ يتعاطى شحرور والجابري مع الأمر كمسلمة من مسلمات الإسناد، إلا أن تعطيل قدرة العقل على مساءلة المسلمات ومراجعة المرجعيات لا يجيزه العقل السليم.

القرآن المحمدي

ليس الوحي

الإلهي على وجه

المطابقة المطلقة

ما لم يدركه شحرور والجابري هو أننا لن نتمكن من تجاوز خطاب القدامة وتخليص الإسلام من النظرة السحرية الى العالم، ما لم نتجاوز الفرضيات التأسيسية التي تشكل نظرة القدامة إلى القرآن.

ليس الخطاب القرآني هو "كلام الله" النازل صدفة أو قصداً من سماء الغيب كما يزعم باراديغم القدامة الدينية، وإنما هو ثمرة لقدرة النفس على الصعود والارتقاء لغاية تحقيق الاتصال. إلا أن الصعود هنا -وبخلاف الفلسفة- لا يكون برهانياً ،بل حدسياً مستنداً إلى ملكة الخيال.

النبوة، كما يقول أبو نصر الفارابي، هي أكمل المراتب التي يبلغها الإنسان بقوة المخيلة[3]. والنبوة، كما يؤكد باروخ سبينوزا، " لا تتطلب ذهنا كاملا بل خيالا خصباً "[4].

محمد عابد الجابري: "القرآن ليس جزءاً من التراث"

ما يعني أن القرآن المحمدي ليس الوحي الإلهي على وجه المطابقة المطلقة، وليس كتاباً كتبه الله وأنزله من ملكوت السماء إلى السماء الدنيا أو إلى مسامع الرسول، إنما هو ثمرة مجهود تخييلي قام به الرسول الأمين لأجل تمثل وتأول الإشارات الربانية كما التقطها من معارج الفيض الإلهي. وإذا كانت مراتب القوة التخييلية تتفاوت بحسب الأحوال، فقد انعكس ذلك على الآيات القرآنية، فجاءت متفاوتة في الدقة التعبيرية والإتقان البلاغي. إنه التفاوت الذي نجمت عنه مرتبتان من مراتب التنزيل، هما بحسب التعبير القرآني : ( آيات مُحكمات ) تمثل النواة الصلبة للقرآن، وآيات ( متشابهات ) تمثل الدوائر الأكثر هشاشة في القرآن المحمدي.

بل مفهوم الآيات الإلهية أوسع دلالة من القرآن المحمدي، الذي هو محض تأويل لبعض تلك الآيات.

والحال، إذا كان الوحي الإلهي آيات، فإن الآيات وفق التحديد القرآني ليست نصاً مغلقاً أو نصا مقدسا، ولا هي مدونة أحكام كونية وأوامر أبدية، وإنما هي محض إيحاءات إلهية. ثم إن الوحي وفق التوصيف القرآني ، كما يقول محمد إقبال، هو " صفة عامة من صفات الوجود "[5].

( ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ) سورة فصلت، الآية 37.

( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ) سورة الروم، الآية 22.

( انّ في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون ) سورة يونس، الآية 6.

بعض تلك الآيات والعلامات والإشارات الربانية منظور ومرئيّ للجميع، وأما بعضها الآخر فلا يُدرك إلاّ عبر القوة التخييلية.

والسؤال الآن : هل بوسعنا القول إن الخطاب القرآني خطاب فوق التاريخ وفوق التراث وفوق القدامة وفوق الزمان والمكان، ومن ثمة فهو معاصر لكل العصور ومجايل لكل الأجيال؟

فإن الآيات وفق

التحديد القرآني

ليست نصاً مغلقاً

أو نصا مقدسا

تحديداً أو على سبيل الاستدلال، هل بوسعنا أن نعتبر المفاهيم والقيم السياسية الواردة فيه ( من قبيل الطاعة، والبيعة، والجزية، والشورى، والغنيمة، والفيء، والنفقة... ) مفاهيم معاصرة لنا أيضاً؟

ربما يبدو السؤال محرجاً، لكن الذي يجعله كذلك أننا دأبنا على اعتبار الخطاب القرآني نصا مقدسا يعبر عن "أحكام الله" المطلقة بصرف النظر عن الزمان والمكان. وهذا خطأ معرفي، بلخطيئة لاهوتية.

حين نظنّ أن القرآن المحمّدي كلام صدر أو فاض مباشرة عن الذات الإلهية، ونزل بالتمام والكمال وبالمعنى الحرفي، فإننا ننتهي إلى تقديس كل أفعال الأمر الواردة فيه، باعتبارها أوامر الله إلى الإنسان، أو هكذا نظن. وبالتالي يتحول الخطاب القرآني من رسالة تعبدية إلى وصايا أبدية تعطل الإبداع وتشل الإرادة. وبهذا النحو يصير القرآن عائقاً من عوائق التحديث.

المشكلة بالأحرى، عندما نعتقد بأن التقابل بين مفاهيم الخلافة والبيعة والشورى والإمامة والطاعة من جهة، وبين مفاهيم الديمقراطية والانتخابات والتصويت والتعددية والتداول على السلطة من جهة ثانية، هو تقابل بين جهاز مفاهيمي ديني أو إسلامي يمثل مضمون الوحي الإلهي، وجهاز مفاهيمي مدني أو غربي يمثل جوهر الثقافة الغربية. وتحديداً، سيبدو التقابل وكأنه بين إرادة الله من جهة، وإرادة الحضارة الغربي من جهة ثانية. وهذا أيضاً خطأ، بل خطيئة.

باروخ سبينوزا: "لا تتطلب النبوة ذهنا كاملا بل خيالا خصباً"

صحيح أن القرآن استعمل تلك المفاهيم القديمة والمتقادمة ضمن مجاله التواصلي. غير أن الاستعمال ليس دليلا على الملكية أو التملك. إذ لا يكفي أن يستعمل القرآن مفهوماً من المفاهيم حتى يصير مفهوماً دينياً أو إسلامياً أو قرآنيا، أو يغدو هوية راسخة لنا. والحال أن إبداع أو إعادة إنتاج المفاهيم ليس وظيفة الحقل الديني، وبالأحرى ليس وظيفة الخطاب القرآني. إنما إنتاج المفاهيم كان ولا يزال يتم داخل حقل معرفي آخر، هو الفلسفة حصراً، وفق قول فليكس غاتاري وجيل دولوز.

أما الإسلام فهو مبدأ اعتقادي غايته توحيد وتنزيه الذات الإلهية. وعدا هذا القصد، تظل قضايا الشريعة والمعاملات ونظام العقوبات ومسائل الحدود والقصاص وتقسيم الإرث وحظّ الأنثى وشهادة المرأة وطاعة الحاكم وقوامة الزّوج ومعها كل المفاهيم والتصورات الواردة في "إسلام النص"، مجرّد تأويلات عرضية وفرعية للإسلام الرباني. وهي تندرج ضمن السياق التداولي الذي يناسب المستوى العقلي والوجداني لإنسان العالم القديم.

لم يكن العالم القديم عالماً أبدياً، ولم يُقدّر له أن يكون كذلك. بل، قدَر الوجود أن " لكل شيء إذا ما تم نقصان "، وفق تعبير بليغ لأحد شعراء رثاء الأندلس. العالم القديم، شأنه في ذلك شأن سائر العوالم البشرية، عالم عرضي ونسبي ومحكوم عليه بالزوال. وقد ورد في الخطاب القرآني إن ( كل من عليها فان ) الرّحمان- 26.

حين لا نرقى إلى مستوى الوعي بالصيرورة التي هي قدر الوجود كما يرى هايدجر، بل هي جوهر الرّوح الإلهية وفق منطلقات هيجل، بل هي جوهر الألوهية نفسها وفق تصريح صريح للقرآن يصف الله بأنه ( كل يوم هو في شأن ) الرحمان- 29، وحين لا ندرك الصيرورة والتغيّر والتحول والتبدّل كقدر إلهي، عندئذ يصبح الحنين إلى عالم الأسلاف مجرّد عصاب وسواسي ينتج العنف العبثي والموت المجاني.

يصبح الحنين

إلى عالم

الأسلاف مجرّد

عصاب وسواسي

لا يكمن الفرق بين مفاهيم الخلافة والبيعة والطاعة والشورى والإمامة والجماعة من جهة، ومفاهيم الديمقراطية والتعددية والانتخابات والتصويت والتداول على السلطة من جهة ثانية، في أن هناك مفاهيم دينية أو إلهية أو غيبية أو إسلامية أو إنها تنتمي إلى الإسلام حصراً أو يمكن وصفها بالإسلامية، مقابل مفاهيم مدنية أو وضعية أو بشرية أو غربية أو إنها تنتمي إلى الغرب حصراً أو يمكن وصفها بأنها غربية. بل يكمن الفرق، بكل بساطة ووضوح، في أن هناك جهازاً مفاهيمياً ينتمي إلى العالم القديم بمختلف دياناته وثقافاته ومرجعياته، مقابل جهاز مفاهيمي ينتمي إلى العالم الجديد بمختلف دياناته وثقافاته ومرجعياته.

هذا يعني، بواضح الإشارة وصريح العبارة، إننا حين نقرر استبدال مفاهيم القدامة السياسية الواردة في القرآن المحمدي، من قبيل الخلافة والشورى والبيعة والطاعة والرعية والردة والجزية وأهل الذمة، وما إلى ذلك من مفاهيم سياسية (أو تحديداً ما قبل سياسية) تنتمي إلى العالم القديم وتعيق تطور الوعي الديمقراطي وقيم الحداثة السياسية، فإننا لن نكون قد تخلينا عن كلام الله كما يتوهم الكثيرون، وإنما نكون قد قرّرنا فقط الابتعاد عن الاستغلال السياسوي والتوظيف الإيديولوجي لمفاهيمِ نصٍّ ينتمي إلى العالم القديم، ولا يملك من وظيفة أخرى غير الوظيفة التعبّدية.

وحين نتبنى مفاهيم الحداثة السياسية، من قبيل الديمقراطية والانتخابات والتّعددية والتداول على السلطة وحقوق الإنسان والمواطنة، فإننا نكون إزاء تبني مفاهيم تنتمي إلى العالم الجديد، الذي هو عالمنا وإن كره الكارهون.

المطلوب بالأحرى أن ندرك أننا أبناء العالم الجديد بمفاهيمه وقيمه، ولم يقدر لنا أن نكون في غير عالم اليوم، الذي هو عالم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والحريات الفردية وفصل السلطات وصناديق الاقتراع.

أما العالم القديم، عالم البيعة والجماعة والطاعة والخلافة، فأبلغ القول أن نقول ما قاله القرآن :

( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ) البقرة- 134.


[1] الدكتور محمد شحرور، الكتاب والقرآن، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، الطبعة التاسعة 2009، ص : 36.

[2] محمد عابد الجابري، مدخل إلى القرآن الكريم، الجزء الأول، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، شتنبر 2006، ص : 19.

[3] أبو نصر الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، تقديم وتحقيق الدكتور ألبير نصري نادر، دار المشرق، بيروت، 1986، ص : 116.

[4] باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم حسن حنفي، دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى 2005، ص : 129.

[5] المصدر نفسه ، ص : 148.