طارق حجي

السوادُ الأعظم من فقهاءِ التياراتِ والملل الاسلامية كانوا ولا يزالون يباركون العمليات الانتحارية التي ُيفجر فيها شخصٌ (مسلم) نفسه لقتلِ بعضِ أو كثيرٍ من المدنيين . بل واطلقوا على تلك العمليات الخسيسة تسمية "العمليات الاستشهادية" وهو ما يُعد من قبيل الاعجاب بهذه العمليات (الدنيئة) ومن قبيل الحض والتشجيع عليها.

يتجنب الإسلاميون (بدون إستثناء) ما كتبه الامامُ الذي له أكبر الاثر على تفكيرهم وهو ابن تيمية عن ابن سينا. فابن تيمية كال من الذم لابن سينا الكثير وكفره بشكلٍ صريح. وهذا الموقف من كافة الاسلاميين يعكس موقفهم من "العقل" الذي كان ابن سينا في جانبه. ولايدرك معنى ومغزى تجاهل الاسلاميين لكتابات ابن تيمية عن ابن سينا الاَّ من كان ملماً بكتابات وتوجهات الاثنين: ابن سينا وابن تيمية. فابن تيمية هو الذي طالب كل مسلم بالاساءة لغير المسلم حتى لو كان يُحسن للمسلم!

محمد المرسي: العجز عن الاقتراب من مفهوم الدولة الحديثة

اثناء فترة حكم الاخوان المسلمين لمصر (369 يوماً من منتصف 2012 إلى منتصف 2013) أصر الاسلاميون (بكل طوائفهم) على ان ينص دستورُ مصرَ الذي وضعوه على ان الاديان التي تعترف بها الدولة المصرية هي اليهودية والمسيحية والاسلام فقط. اما الديانات غير الابراهمية والتي يدين بها نصف البشر فهي غير معترف بها بل ولايمكن أن يكتب في الأوراق الرسمية أنها ديانة الشخص الذي اختار الانتساب بها. ولا تخفى عن القارئ النتائج العديدة لهذا التوجه على الكثير من  الأمور المتعلقة بالزواج والبنوة والنسب والميراث .... وغيرها.

كنت أعرفُ على الدوامِ ان من أكثر الاسئلة استفزازاً  للاسلاميين (وقد سألته لمئات منهم) هو: هل تسمح دولة يحكمها الاسلاميون للبهائيين بالوجود القانوني؟ اي ان يعيشوا كبهائيين في المجتمع. وكانت الاجابة على الدوام بالرفض الغاضب! وكنت على الدوام اشعر أنهم يخلطون بين ان يؤمنوا بصوابِ العقيدةِ البهائية وبين حق البعض في ان يكون بهائياً. وهو موقف آخر كاشف للتضاد الكبير بين ذهنيتهم وقيم كبرى مثل "التعددية" و "قبول الآخر" و"النسبية" و"حرية الاعتقاد".

كثير من الاسلاميين

يستدعون الماضي

في أشكال يستحيل

ان يقبلها عصرُنا

وعقلُنا المعاصر

الاسلاميون بدون استثناء لا يكتفون برفضهم لنظرية التطور ولكنهم يرفضون مجرد دراستها وتدريسها. ومعلوم ان مناهج التعليم في أكثر الدول رفعاً لراية الاسلام (حتى على رايتها) تخلو من أيةِ إشارةِ لنظريةِ تطورِ الكائناتِ وكأنها لم توجد.

يعيش كثير من الاسلاميين حالةً نادرةً في عالمنا المعاصر حيث يستدعون الماضي (التاريخ) في أشكال وأفكار وأنماط وسلوكيات يستحيل ان يقبلها عصرُنا وعقلُنا المعاصر. وقد قلت أكثر من مرة لعددٍ كبيرٍ من الاسلاميين: لقد كان المسلمون الأوائل يقومون بأخذ أموال ونساء أعدائهم في الحروب التي كانوا ينتصرون فيها. فهل لو سمحت لكم الظروف اليوم بأن تحاربوا أعدائكم وتنتصروا (إفتراض نظرى بحت!) فهل ترون انه من المعقولِ والمقبولِ قيامكم بالاستيلاء على أموال وممتلكات ونساء الطرف المهزوم؟ وكانت الاجابات (الهزلية) تقول: "نعم"! وهو ما يفضح ان الاسلاميين يعيشون في حالة استدعاء (مستحيلة) للماضي. ومن عوارض هذه الحالة انهم غير قادرين على دراسة تاريخ الشعوب المسلمة دراسة علمية موضوعية. فهم يسبغون على هذا التاريخ من الاجلال والمجد والقداسة ما لا يمكن انطباقه على اى تاريخ إنساني.

يسبغون على التاريخ من الاجلال والمجد والقداسة

هل يعقل أن تصدقوا ان وصف اليهودَ بأنهم أحفاد القردة والخنازير هو وصف حقيقي؟ سؤَال سألته مراراً لإسلاميين معروفين وكانت الاجابة دائماً بأن اليهود – بالفعل – أبناء القردة والخنازير. وكنت اسخر من محدثي واقول ان النص الذين تستندون له لا يجعل اليهود ابناء واحفاد القردة والخنازير بل يجعلهم "أباء" القردة والخنازير!! فحتى فهم النصوص غير متوفر!

تطور مفهوم الدولة الحديثة من خلال رحلة طويلة بدأت في اليونان منذ قرابة الفين وخمسمائة سنة ومرت بروما القديمة وبأوربا الحديثة ولاسيما بحقبة التنويرين الفرنسيين العظام (فولتير + جان جاك روسو + ديدرو + مونتسكيو). وللأسف، فان العرب والمسلمين لم يكونوا طرفاً من أطراف هذه الرحلة. بل كانوا منتجاً لتاريخ لم يعرف اي تطور في موضوع الدولة ونظم الحكم. فعربُ الجزيرةِ لم يعرفوا فكرة الدولة وانما كان نظامُ الحكم لديهم إمتدادأ لفكرة القبيلة، وكان الحاكم هو امتداد لوضعية "شيخ القبيلة". ولليوم فان الاسلاميين يظلون بعيدين كل البعد عن مفهوم الدولة الحديثة كما يظل مفهومُ "شيخ القبيلة" مهيمناً على مفهوم رئيس الدولة. وفي مئات الحوارات مع الاسلاميين تأكد لي تمسكهم بنظام بدائي لا مجال فيه لمبدأ فصل السلطات (وهو روح نظم الحكم الحديثة).

وخلال ال 369 يوماً التي حكم فيه الاخوان مصر (منذ منتصف 2012 إلى 2013) ظهر جلياً عجزُهم عن الاقتراب من مفهوم الدولة الحديثة. فقد كان واضحاً ان خضوع السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) لراس السلطة (وهو المرشد العام للاخوان وليس رئيس الدولة) هو حجر أساس لنظام الاسلاميين السياسي.

عزة الجرف: الإلحاح على ضرورة تخفيض السن القانونية لزواج المرأة

وقد كانت فترةُ حكمِ الاخوانِ لمصرَ فرصةً كبيرةً ليرى المصريون أن نظم الحكم الحديثة لا يمكن وجودها في اي مجتمع لا يقوم النظامُ السياسي فيه على فصلٍ كاملٍ بين الدين والدولة.  فبدون هذا الفصل وبشكل كامل وصارم لا يمكن وجود حياة ديموقراطية.

يؤمن الاسلاميون بأن المرأة خلقت لإمتاع الرجل وللإنجاب كما يؤمنون بأنها مصدر معظم الشرور. ولا يوجد إسلامي إلا ويؤمن بأن ختان المرأة مطلب إسلامي شديد الضرورة، لان المرأة غير المختونة (القلفاء بتعبير ابن تيمية) تكون كالحيوان المنطلق غرائزياُ تطلب المتعة الجنسية بلا رادع !! وكلمات ابن تيمية عن المرأة معروفة لكل من قرأ فتاواه. ومنها ان المرأة لو قتلت فإن ديتها نصف دية الرجل المقتول. ومعظم الإسلاميين يسلمون للزوج بحقه في ضرب زوجته وعندهم قواعد منظمة للضرب الشرعي والضرب غير الشرعي للزوجة. ولكن كارثة الكوارث تكمن في إلحاح الأسلاميين على ضرورة تخفيض السن القانونية لزواج المرأة. فمعظم الاسلاميين يؤمنون بأنالقانون يجب ان يعدل سن الزواج وينزل به إلى"تسع سنوات"! وما أن وصل الاسلاميين لحكم مصر حتى انبرت سيدة من الاخوان (عزة الجرف) ووقفت في البرلمان (الإخواني) سنة 2012 تطالب بضرورة تعديل قوانين الأحوال الشخصية بما يسمح بزواج البنات إلى السن الذي تجئ فيه الدورة الشهرية للبنات.

كانوا منتجاً لتاريخ

لم يعرف اي تطور

في موضوع الدولة

ونظم الحكم

يُطلق الاسلاميون على رجال الدين تسمية "العلماء" (وليس حتى "علماء الدين"). وهي ظاهرة غير موجودة في اية مناخات أخرى . وهي ظاهرة ذات مغازي عديدة. فهي ظاهرة تعني عدم الاعتراُف بالعلماء الحقيقيين (في مجالات الهندسة والطب والصيدلة والفضاء وتكنولوجيا المعلومات ...إلخ).  وهي ظاهرة تعني ان قيمة الحياة الانسانية غير كبيرة. فالعلماء هم الذينيقودون (!) البشرية لحياة أفضل فيما بعد الموت.. وهي ظاهرة تعني ان طبقة رجال الدين هي التي ستضع النوتة الموسيقية للحياة الانسانية في شتى المناحي والمجالات. ومعظم هؤلاء الذين يسمون بالعلماء غير أشخاص أصحاب تكوين علمي ومعرفي وثقافي شديد السطحية ، وأحادي التوجه. فحتى كتابات الفارابي وابن سينا وابن رشد وتراث المعتزلة هي كلها غير معروفة بشكل كاف لهؤلاء "العلماء". وهؤلاء العلماء لا يكاد أحد منهم يعرف شيئاً عن تراث الانسانية امعرفي من سقراط (قبل25 قرناً إلى يومنا هذا ومعلوم في عالمنا المعاصر أن التذود بالمعرفة من بعض (وليس كل/معظم) مناحي المعرفة يؤدي لنتائج شائهة. ومن أغرب أمور هؤلاء "العلماء" انهم بتكوينهم المعرفي المحدود والضيق ، فإنهم يتحدثون في سائر أمور الحياة التي لا يعرفون عنها إلا أقل القليل!

الخاتمة

إشتملت حواراتي مع عشرات (بل مع مئات) الاسلاميين عبر أربعة عقود التطرق لمواضيع أخري عديدة . فقد تحدثت معهم مراراً على الدور الهدَّام. الذي يقوم به كثيرٌ من المهاجرين المسلمين لمجتمعات غربية وبالذات لفرنسا ةبريطانيا والمانيا وإيطاليا.

يعملون على تحطيم النسق القيمي للمجتمعات التي هاجروا لها

وكانت وجهة نظري دائماً (ولاتزال) ان عدداً كبيراً من هؤلاء كانوا ولايزالون يعملون على تحطيم النسق القيمي للمجتمعات التي هاجروا لها. رغم انهم تركوا التخلف والفقر والبدائية وراءهم وجاءوا للتقدم والرفاهية والتمدن. ومع ذلك فمنهم من لا يتوقف عن محاولة تحطيم أسس هذه المجتمعات القيمية. وكان الاسلاميون دائماً يرددون ان اندماج المسلمين في المجتمعات التي هاجروا لها هو أمرٌ مرفوض ! بل وكان كثيرٌ منهم يؤكد ان المهاجرين عليهم ان يعملوا على تحّول هذه المجتمعات التي هاجروا لها للاسلام! ومن الأمور التي طالما حيرتني هي زعم الأسلاميين ان الاسلام لا يعرف "طبقة رجال دين"، رغم ان الواقع يؤكد ان طبقة رجال الدين الاسلاميين ليست فقط موجودة ولكنها الأكثر سيطرة وهيمنة على أبناء وبنات مجتمعاتها.

معظم هؤلاء الذين

يسمون بالعلماء

أصحاب تكوين

علمي ومعرفي

وثقافي شديد

السطحية

فالمسلم لا يكاد يترك له أمر من الأمور دون ان يقول له "رجل الدين" كيف يماؤسه. فالمسلم يستيقظ صباحاً ليكرر ما قال له رجل الدين ان عليه ان يقوله في الصباح. وهو أيضاً لا يدخل المرحاض ولا يغادره بدون تعليمات رجل الدين. ولا يغادر بيته بدون قراءة ما طلبه منه رجل الدين بل انه لا يسطيع يبدأ علاقته الحميمة بزوجته الا بعد ان يتذكر صيغة الدعاء الذي علمه اياه رجل الدين! وغذا اراد ان يدخل في تجارة، فإنه ملتزم بمعرفة ما يجوز وما لا يجوز له، وهو ما لن يعرفه الا من رجل دين! وقبل ان يتعامل مع البنوك، فسيكون عليه أن يستمع لرأي رجل الدين! وإذا راق له عمل فني، فقبل إقتناءه فسيكون عليه أن يعرف مدى حرمة (أو حلالية) إقتناء هذا العمل الفني ! وقبل ان يسمح لطبيب رجل بتوقيع الكشف الطبي عل زوجته ، فسيكون عليه معرفة رأي رجل الدين! وبإختصار ، فكما دلتني دراستي (خلال أربعة عقود) لجل أدبيات الأسلاميين أنهم لا يقبلون من المجتمع المعاصر معظم معطياتهم ومنتجاته وملامحه وإفرازاته، فقد دلتني حواراتي مع عشرات (بل مع مئات) الاسلاميين ان المجتمعات الحديثة تخالف في كل جزءياتهاأفكارهم ورؤاهم ومتطلباتهم وانهم يتوخون تأسيس مجتمعات مختلفة تماماً. أردنا ان نعرف كيف ستبدو هذه المجتمعات ، فما علينا إلا الفر للصومال والسودان وافغانستان وشمال غرب باكستان فهناك سنرى ما سيأخذنا إليه تفكير الاسلاميين!

(اقرأ الجزء الأول من المقالة)