هاشم صالح

أقصد الاستشراق الأكاديمي بالطبع لا الاستشراق المسيس السطحي لذي كان مرتبطا بالادارة الاستعمارية ابان القرن التاسع عشر وحتى منتصف العشرين.أكبر خطيئة ارتكبها المثقفون العرب الحداثيون الذين هاجموا الاستشراق هي أنهم لم يميزوا بما فيه الكفاية بين هذين النوعين من الاستشراق.

وكانت النتيجة أن صورة الاستشراق الأكاديمي العالي المستوى شوهت أيضا في العالم العربي وليس فقط الاستشراق الآخر الذي لا قيمة له ولم يبق منه شيء أصلا.هذه جريمة ارتكبت في حق العلم والمنهج الرصين والبحث المضني عن الحقيقة. ذلك أن الاستشراق الأكاديمي كان يبحث عن الحقيقة بكل صدق ويسلط أضواء ساطعة على التراث العربي الاسلامي. ونحن بأمس الحاجة الى ذلك. ولكننا نعلم أن ادوارد سعيد في أواخر أيامه تخلى عن هذا الهجوم الحاد على الاستشراق ودعا الى تشكيل نزعة انسانية وعلمانية كونية تجمع بين الغرب والشرق على بساط واحد[1].

لم يميزوا بما

فيه الكفاية بين

هذين النوعين

من الاستشراق

والواقع أن ما كان يزعجه أكثر هو المحافظون الجدد والمتطرفون وليس الغرب ولا الاستشراق ككل. فادوارد سعيد ليس أصوليا! ولا ينبغي أن نستنتج خلاصات خاطئة من كتابه عن الاستشراق. نقول ذلك على الرغم من بعض الأخطاء التي ارتكبها والأحكام المتسرعة التي صدرت عنه بسبب عدم تخصصه في الدراسات الاسلامية.ولكنه في نهاية المطاف كان ذا نزعة انسانية عميقة ويشكل جسرا حضاريا رائعا بين العالم العربي والعالم الغربي.

تخلى ادوارد سعيد عن الهجوم الحاد على الاستشراق

لكي نفهم سبب حصول الصدام المروع بين المسلمين التقليديين[2] والمستشرقين ينبغي علينا أن نموضع الاشكالية ضمن منظورها الواسع العريض. ينبغي العلم بأن المنهجية الفيلولوجية – التاريخية كانت قد طبقت أولا على التراث اليهودي المسيحي قبل أن تطبق لاحقا على التراث الاسلامي من قبل المستشرقين الكبار من أمثال غولدزيهر ونولدكه وشاخت وسواهم كثيرين.وبالتالي فعلماء أوروبا من مستشرقين أو غير مستشرقين طبقوا نفس المنهجية العلمية على تراثهم أولا قبل أن يطبقوه على تراثنا. وما كان هدفهم تدمير تراثنا أللهم الا اذا كانوا أيضا يرغبون في تدمير تراثهم هم أيضا! العلم لا يدمر الا الجهل والمعارف الخاطئة. العلم يعمر ويبني ويفتح الآفاق الواسعة. ولكنه مضطر أحيانا لأن يدمر الأفكار الخاطئة قبل أن يعمر أو يبني الأفكار الصحيحة. فالتصورات التي يحملها المؤمنون التقليديون في أعماقهم عن تراثهم الديني تبجيلية ولا تاريخية في معظم الأحيان. والعلم الاستشراقي لكي يتوصل الى الصورة الحقيقية للتراث الاسلامي مضطر الى تفكيك هذه التصورات الخيالية التبجيلية الموروثة عن الماضي منذ مئات السنين. ولذلك نشبت المعارك بينهم وبين أقطاب الأصوليين والشيوخ المسلمين.

ارنست رينان: من أهداف هجوم بابوات الكاثوليك

وبالتالي كفانا محاربة للعلم في العالم العربي والاسلامي كله! كفانا معارضة لحركة التاريخ! التراث الاسلامي سيخضع للمنهجية النقدية التاريخية مثلما حصل للتراث اليهودي – المسيحي. هذا تطور مؤكد لا مفر منه اذا ما أردنا أن نلحق بركب العصر ونخرج من تخلفنا وانحطاطنا التاريخي المزمن. يضاف الى ذلك أن هذه التصورات الخاطئة عن التراث والدين والايمان مكرسة من قبل برامج التعليم والمدارس التقليدية في شتى أنحاء العالم الاسلامي. وهي السبب في تفريخ ملايين المتطرفين والجهاديين الارهابيين. ولا يمكن مواجهة هذه الحركات الا بعد تفكيك تصوراتها اللاهوتية التي تعمر عقولها والتي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ. ومعلوم أن اللاهوت الديني القديم- أو الفقه التكفيري- هو الذي يخلع المشروعية الالهية على هذه الحركات المتطرفة وهو الذي يعطيها ثقة هائلة بالنفس وقوة دفع لا مثيل لها. ولولا ذلك لما تجرأت أصلا على القيام بكل هذه التفجيرات العشوائية التي تحصد المدنيين بالعشرات أو بالمئات أو حتى بالآلاف كما حصل صبيحة 11 سبتمبر. وبالتالي فمكافحتها ينبغي أن تتم على أرضيتها الخاصة بالذات: أي أرضية الفكر الديني والا فلا يمكن التخلص منها ومن وبائها المستفحل الذي أصبح بحجم العالم. ان الاسلام كدين عالمي كبير يستحق مصيرا آخر: انه يستحق نظرة أخرى وفهما تجديديا مستنيرا.

تيودور نولدكه: مناضل
في معركة المثقفين التنويريين ضد المثقفين الأصوليين

لكن بالمقابل ينبغي على نظرائنا الغربيين أن يعترفوا بأن هذه الأصولية الظلامية كانت موجودة عندهم أيضا. وقد عانت منها أوروبا ما عانته ابان محاكم التفتيش والحروب المذهبية الكاثوليكية – البروتستانتية. ولم تتخلص أوروبا من ارهاب الكنيسة الكاثوليكية البابوية الرومانية الا بعد أن ظهر فلاسفة الأنوار وتصدوا لها ولفهمها الخاطيء المتعصب للمسيحية ورسالة الانجيل بكل جرأة وقوة. كل اللاهوت القروسطي الطائفي تم تفكيكه على يد جون لوك وليسنغ وفولتير وروسو وديدرو والموسوعيين وكانط وهيغل ونيتشه الخ..لهذا السبب سقطت المشروعية اللاهوتية القروسطية في الغرب ولم تسقط حتى الآن في العالم العربي أو الاسلامي عموما. لم تظهر عندنا حتى الآن حركة تنويرية ضخمة كتلك التي حصلت في أوروبا ابان القرن الثامن عشر والتاسع عشر.لا ريب في أنه ظهرت محاولات نهضوية تنويرية هنا وهناك ولكنها ليست كافية حتى الآن وليست راديكالية بالشكل المرجو.

هذه جريمة ارتكبت

في حق العلم

والمنهج الرصين

والبحث المضني

عن الحقيقة

ولكن المستقبل واعد بالأمل لأن بعض المثقفين في العالم العربي أدركوا خطورة الوضع وأصبحوا يبحثون عن تشخيصات جديدة وحلول. وعليهم تعقد الآمال. قصدت المثقفين النقديين الأحرار لا المثقفين الديماغوجيين الذين يتواطؤن صراحة أو ضمنا مع الفكر الأصولي الطائفي القديم.وعلى الرغم من أن هؤلاء الأخيرين لا يزالون يشكلون أغلبية عددية حتى الآن الا أن مواقعهم تنكشف وتنحسر أكثر فأكثر. فالمثقفون النقديون  المتنورون تتزايد أعدادهم أكثر فأكثر لحسن الحظ في مشرق العالم العربي ومغربه.على أي حال فان المعركة الفكرية بين الطرفين محتومة ولا مفر منها. وهي ذات المعركة التي حصلت بين فولتير وخصومه في القرن الثامن عشر، أو فيكتور هيغو وخصومه وكذلك ارنست رينان وخصومه في القرن التاسع عشر. انها معركة المثقفين التنويريين ضد المثقفين الأصوليين. وكنت قد كرست لها كتابا كاملا فيما سبق[3].

ظل ألفريد لوازي مؤمنا ولم يصبح ملحدا بعد انخراطه في تطبيق للمنهج التاريخي على الكتاب المقدس

هل نعلم بأن الكنيسة الكاثولية هاجمت المنهجية النقدية التاريخية بنفس العنف الذي هاجم فيه المحافظون العرب الاستشراق؟هنا نلاحظ أن علم الأصوليات المقارنة يقدم لنا اضاءات رائعة. فهجوم شيوخ الاسلام التقليديين على الاستشراق لا يختلف في شيء عن هجوم بابوات الكاثوليك ومنظريهم على ارنست رينان وبقية العلماء الذين طبقوا المنهج التاريخي على المسيحية الأولى وشخصية يسوع. فقد اعتبروا ذلك بمثابة تجديف وكفر وانتهاك للمقدسات المسيحية. وبالتالي فلا ينبغي أن نستنتج خلاصات طائفية أو عنصرية ضد الاسلام والمسلمين بسبب الظرف التاريخي الصعب الذي يعيشونه اليوم. لا ينبغي على المتطرفين في الغرب أن يستغلوا ذلك لتشويه صورتنا وصورة ديننا الحنيف. فالاسلام سوف يغير موقفه عندما تنتصر الحداثة فيه مثلما غيرت الكنيسة الكاثوليكية موقفها بعد الفاتيكان الثاني. المسألة مسألة وقت ليس الا. والمسلمون على الرغم من كل العراقيل سائرون على طريق الاستنارة والتقدم. لنقارن هنا بين ما فعلته السلطات البابوية بالعالم الفرنسي ألفريد لوازي[4] الذي طبق المنهج التاريخي على الانجيل، وبين ما فعله الأزهر وبقية المحافظين بطه حسين بعد صدور كتابه عن الشعر الجاهلي. رد فعل الأصولية الاسلامية على المنهج التاريخي لا يختلف في شيء عن رد فعل الأصولية المسيحية كما ذكرنا في مطلع هذه الدراسة.

لكن لنعد الى الاستشراق بالمعنى الحرفي للكلمة. نلاحظ أن انطلاقته الكبرى ابتدأت في منتصف القرن التاسع عشر أو قبله بقليل. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن، أي طيلة قرن ونصف،  شهدنا ظهور عدة موجات من المستشرقين الكبار. الموجة الأولى تمثلت بسيلفستر دو ساسي،وادوارد ويليام لين،ورينهارت دوزي،وميكائيل جان دو غوجيه، وهنريش فليشير، وكراشكوفسكي في سانت بترسبورغ وسواهم[5] .وفي هذا السياق ظهرت ترجمة القرآن الى الألمانية على يد غوستاف فلوجيل عام 1834. ان هؤلاء المستشرقون الأوائل هم الذين مهدوا الطريق للدفعة الثانية عن طريق تأليف القواميس العربية وكتب النحو والصرف. فمعرفة اللغة العربية، أي لغة الاسلام الأساسية، تشكل البداية الأولى الاجبارية للانخراط في استكشاف مجاهيل التراث الاسلامي.

من يذكر بالامتنان

هذا العمل الجليل

للمستشرقين

الفيلولوجيين

وبالتالي فقد أصبح ممكنا لمن جاء بعدهم أن يدرس القرآن دراسة تاريخية فيلولوجية أو لغوية لأول مرة. وعندئذ ظهر كتاب المستشرق الألماني الشهير تيودور نولدكه: تاريخ القرآن[6]. وقد اعتبر بمثابة الثورة الكوبرنيكية للدراسات القرآنية.فقبله كنا نفهم القرآن بشكل، وبعده بشكل آخر. أو قل قبله ما كنا نفهم القرآن على حقيقته. فلأول مرة يطبق المنهج التاريخي على نص الكتاب المقدس للاسلام. الكتاب صدر لأول مرة عام 1860، ولكن أضيفت اليه أجزاء جديدة على يد تلامذة نولدكه بين عامي 1909 و1938. وهكذا اكتمل الكتاب فصولا.

من الموجة الأولى للمستشرقين الكبار: ادوارد ويليام لين وبسيلفستر دو ساسي

ولكن هناك خدمة كبيرة أخرى قدمها الاستشراق للدراسات العربية الاسلامية غير تأليف القواميس والكتب النحوية هي: تحقيق المخطوطات العربية القديمة بطريقة تاريخية فيلولوجية. لأول مرة تُسحب هذه المخطوطات العتيقة التي علاها الغبار من بطون المكتبات والكهوف المظلمة لكي تُصحح وتُنقح وتُطبع على أحدث الطرق العلمية. هذه خدمة لا تقدر بثمن لتراثنا العربي الاسلامي وكثيرا ما ينساها مهاجمو الاستشراق. من بين أهم المستشرقين الذين دشنوا هذا التحقيق العلمي لمخطوطات التراث نذكر: موريتز ستينشنيدر الذي تخصص بتحقيق المخطوطات العربية المسلمة واليهودية على حد سواء. ونذكر أيضا المستشرق الشهير كارل بروكلمان الذي اختص بتحقيق المخطوطات العربية بشكل عام سواء أكانت اسلامية أم مسيحية أم يهودية لا على التعيين.

ونذكر أيضا المستشرق جورج غراف الذي تخصص بتحقيق المخطوطات العربية المسيحية. هذا وقد تابع الباحث التركي فؤاد سيزكين[7] أعمال أستاذه بروكلمان في تحقيق المخطوطات التراثية القديمة

النظرة العلمية

التاريخية توسع

الايمان وتجعله

مستنيرا ناضجا

منذ عام 1967.الخ،الخ.. كم من المخطوطات أنقذها الاستشراق من النسيان والتلف؟ من يذكر بالامتنان هذا العمل الجليل للمستشرقين الفيلولوجيين الغاطسين في أعماق التراث ومخطوطاته والبعيدين كل البعد عن الشؤون السياسية الآنية؟ ما علاقة هؤلاء بالاستعمار؟ انه لشيء مضحك أن ندينهم بحجة أنهم ينتمون الى أمم غربية من انكليزية وألمانية وفرنسية الخ..لا ريب في أنه كان هناك مستشرقون آخرون مرتبطون قليلا أو كثيرا بالادارة الاستعمارية ولكن ليس هؤلاء.

بالاضافة الى تحقيق المخطوطات وبالتلازم معه ساهم المستشرقون الرواد الأوائل في دراسة التاريخ الاسلامي بطريقة علمية. نذكر من بينهم المستشرق ألفريد فون كريمر الذي تخصص في دراسة التاريخ الثقافي الاسلامي، ويوليوس فلهاوزين الذي تخصص في دراسة التاريخ السياسي للاسلام[8]. وأما المستشرق رينهارت دوزي فقد اشتهر بكتابه الموسوعي عن تاريخ اسبانيا الاسلامية عام 1861[9].

البروفيسور وائل حلاق: باحث عربي من أصل فلسطيني

بعد أن تجمعت كل هذه المعلومات في اللغات الاستشراقية الأساسية كالانكليزية والالمانية والفرنسية أصبح ممكنا دراسة الاسلام كدين وكذلك دراسة المجتمعات والثقافات الاسلامية. وعندئذ ظهر مستشرقون كبار من أمثال اينياس غولدزيهر(1850-1921)، وهيلموت ريتر(1892-1971)، ولويس ماسينيون (1883-1962)[10]. هؤلاء الثلاثة مهدوا الطريق لمن جاء بعدهم. ونضيف اليهم أسماء أخرى لا تقل أهمية ان لم تزد كالمستشرق جوزيف شاخت[11] الذي هرب من النازية ولجأ الى انكلترا ونال الجنسية البريطانية وكتب مؤلفاته الكبرى.فهو الذي طبق المنهج التاريخي لأول مرة على الفقه الاسلامي أو الشريعة وخرج بنتائج باهرة. والآن يتابع أعماله ويطورها ويغنيها البروفيسور وائل حلاق في جامعة كولومبيا بنيويورك[12]. وهو باحث عربي من أصل مسيحي فلسطيني. وهو مستشرق أيضا بالمعنى العالي والنبيل للكلمة.

سوف أقدم هنا تعريفا واسعا للمستشرق على النحو التالي: كل من يطبق المنهج  التاريخي- الفيلولوجي- النقدي على التراث الاسلامي فهو مستشرق سواء أكان من أصل غربي أم عربي! أو لنقل انه عالم مختص بالاسلاميات والدراسات العربية اذا ما أردنا تحاشي كلمة مستشرق. ولكن لماذا نتحاشاها؟ بهذا المعنى فان المسلم الباكستاني فضل الرحمن مستشرق، وقل الأمر ذاته عن العديد من الباحثين العرب والمسلمين الذين يشتغلون في مراكز البحوث والجامعات الغربية من أوروبية أو أميركية شمالية. ونذكر أيضا هاميلتون جيب (1895-1971) الذي درس تاريخ المؤسسات الاسلامية بشكل خاص.هذا بالاضافة الى المستشرق النمساوي غوستاف فون غرونباوم (1909-1972) الذي تخصص بدراسة تاريخ الثقافة والحضارة الاسلامية. ولا ينبغي أن ننسى المستشرق أرندت جان وينسينك (1882-1939)[13] الذي درس الاسلام ضمن منظور علوم الأديان المقارنة.

الاستشراق لم

يعد مقتصرا على

الباحثين الأجانب

وهذا منظور جديد  مقارن غير معهود بالنسبة للاسلام والمسلمين المنغلقين داخل السياج الدوغمائي المغلق: أي الذين يعتقدون بأنه لا يوجد في العالم الا دين واحد هو الاسلام وكل ماعداه ضلال في ضلال. ينبغي العلم بأن هذا المستشرق الكبير كان وراء أكبر مشروعين في تاريخ الاستشراق والدراسات الاسلامية قبل الحرب العالمية الثانية وهما:الموسوعة الاسلامية في طبعتها الأولى بين عامي 1913- 1942،ثم المطابقة والاشارات الخاصة بالتراث الاسلامي. وقد ظهر في ثمانية أجزاء بين عامي 1933-1989. وكلا المشروعين طبعا في مدينة لايدين من قبل مكتبة بريل الاستشراقية الشهيرة. وهي أصل كل المشروعات الاستشراقية الكبرى اللاحقة التي سنذكر بعضها بعد قليل.

محمد اركون: من المساهمين الفعالين في حوار الثقافات والحضارات

بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت ثلاثة أجيال من المستشرقين: هي جيل 1945-1960، وجيل 1960-1990، والجيل الحالي 1990- 2013. وهذه الأجيال الثلاثة التي ذكرناها بشكل تقريبي ألقت اضاءات كبيرة على تراثنا العربي الاسلامي وبالأخص على الدراسات القرآنية والسيرة النبوية والتاريخ الاسلامي بشكل عام بدءا من الفتوحات وحتى يومنا هذا. نذكر من بين أقطاب الاستشراق في هذه المرحلة مونتغمري واط، وريجيس بلاشير، وهنري كوربان، وهنري لاوست، وجاك بيرك، وكلود كاهين، وروجيه أرنالديز،وجورج مقدسي، ومكسيم رودنسون،وبرنارد لويس[14]، ومن تلاهم كجون وانزبروف، وجوزيف فان ايس، وميكائيل كوك، وباتريسيا كراون، وأنجيليكا نويفرت، وجاكلين شابي، وكلود جيليو، وجيرد رودي- بوين، وتيلمان ناجيل[15]، وعشرات غيرهم.

هذا وقد حققت الدراسات الاستشراقية انجازات ضخمة طيلة الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية. ويعود الفضل في ذلك الى تجدد مناهجها قياسا الى أجيال المستشرقين السابقين في القرن التاسع عشر وحتى منتصف العشرين. فالعلم تغير بطبيعة الحال وكذلك المنهج والمصطلح. ومن أهم المشاريع الجماعية الكبرى في هذه الفترة نذكر أولا الموسوعة الاسلامية في طبعتها الثانية. وهي أفضل من الأولى وأكثر اتساعا وشمولا. انها تمثل العلم الاستشراقي بالمعنى الرصين والدقيق للكلمة. وقد ساهم فيها باحثون عرب ومسلمون وليس فقط غربيون. ولكن كلهم "مستشرقون" بالمعنى الجديد للكلمة: أي يحسنون تطبيق المنهج التاريخي على تراثنا العربي الاسلامي. والموسوعة الاسلامية كنز لا ينضب من المعلومات والتحليلات عن هذا التراث الضخم والعريق.

لم يبق لنا الا

الاستشراق الذي

قدم لنا أكبر

خدمة مجانا

ولا يمكن أن يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الاسلام. ثم ظهرت بعدها في السنوات الأخيرة موسوعة جديدة مهمة جدا هي: الموسوعة القرآنية[16].وقد أشرفت عليها الباحثة الاميركية جين دامين ماك أوليف. وشارك فيها أيضا باحثون مسلمون وغير مسلمين من أمثال نصر حامد أبو زيد، وأوليغ غرابار، ووداد القاضي، ومحمد أركون، وعشرات غيرهم. وصدرت في خمسة أجزاء ثم أضيف اليها جزء سادس كفهرس شامل للمشروع. وهي تعكس النظرة التاريخية للقرآن. وبالتالي فيمكن للقاريء أن يقارنها بالنظرة الايمانية التبجيلية للمتدينين المسلمين. هذا لا يمنع ذاك. نحن لا نريد القضاء على العبادات ولا على التقى والايمان وانما نريد فقط أن نقدم للمسلم النظرة الأخرى عن الدين. ونحن نعتقد بان النظرة العلمية التاريخية توسع الايمان وتجعله مستنيرا ناضجا ولا تنقضه بالضرورة. انها تنقض فقط الايمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين بشكل مسبق. فهناك الايمان الذي يحيي وينعش، و هناك الايمان الذي يعمي ويقتل.وشتان ما بينهما!

وينبغي أن نضيف الى كل ذلك قاموس القرآن[17] الذي صدر في باريس باشراف الباحث الايراني الأصل محمد علي أمير معزي. وقد شارك في انجازه ما لايقل عن ثمانية وعشرين باحثا أكاديميا مسلما وغير مسلم. نذكر من بينهم محمد حسين بنخيرة، وأسماء هلالي، ومحمد أركون، وفرانسواز ميشو، وماري تيريز أورفوا، وفرانسوا ديروش،الخ.. هكذا نلاحظ أن الاستشراق بالمعنى العلمي الأكاديمي للكلمة لم يعد مقتصرا على الباحثين الأجانب وانما أصبح يشمل الباحثين العرب والمسلمين الذين يتقنون مناهج البحث العلمي ويقبلون بتطبيقها دون تردد على تراثهم الديني. وهذا قد يخفف من حدة العداء للاستشراق والمستشرقين في الأوساط العربية والاسلامية. فالتعاون الفكري بين الباحثين العرب والأجانب يساهم مساهمة فعالة في حوار الثقافات والحضارات.

نصر حامد أبو زيد: النظرة التاريخية للقرآن

أخيرا سوف أختتم هذه المقالة التدشينية بقول ما يلي: انها لمصيبة كبرى أننا ابتلينا بهذه الايديولوجيا الديماغوجية الغوغائية التي تحارب المناهج العلمية الحديثة بحجة حماية التراث! وهكذا أصبح الجهل حليفنا والعلم عدونا . فكيف يمكن أن نخرج من مستنقع التخلف الذي سقطنا فيه؟ اذ أقول ذلك لا يعني أني أعتبر الأبحاث الاستشراقية بمثابة المعصومة.أبدا لا. لا عصمة في العلم.

هناك انتقادات عديدة يمكن توجيهها للاستشراق والمستشرقين. فبعضهم ليس متحررا من الخلفيات المسبقة بما فيه الكفاية. ولكن على الأقل لنطلع على أبحاثهم قبل نقدها. كيف يمكن أن نهاجمهم وندينهم قبل أن نطلع على ما فعلوه. واذا كان بعضهم متحيزا ضدنا فان البعض الآخر يحاول أن يكون موضوعيا منصفا بقدر الامكان.وبالتالي فلا يمكن أن نضع الجميع في سلة واحدة حتى فيما يخص الاستشراق الأكاديمي. ينبغي العلم بأن الصورة التي نمتلكها عن تراثنا هي تبجيلية أو عبادية تقوية ليس الا.

وبالتالي فالاستشراق هو وحده الذي قدم لنا الصورة التاريخية الحقيقية. فهل نرفضه؟ اننا نضر أنفسنا عندئذ ولانضره. لماذا؟ لأننا نؤخر تحررنا الفكري بكل بساطة ونظل مقطوعين عن ركب العلم والحضارة الى ما لا نهاية. وعلى أي حال فان المثقفين العرب لا يستطيعون القيام بما فعله الاستشراق من عمل تحريري لسببين: اما لأنهم عاجزون عن تطبيق المناهج الحديثة على التراث، واما أنهم لا يتجرأون على ذلك الا اذا غادروا بلدانهم العربية وأقاموا في بلدان الغرب لحماية أنفسهم من غضب الشارع ورجال الدين. في كلتا الحالتين لم يبق لنا الا الاستشراق الذي قدم لنا أكبر خدمة مجانا. ولم يكن دافعه الى ذلك السيطرة ولا الهيمنة بالدرجة الأولى وانما حب الفضول المعرفي ومتعة الكشف العلمي. ولو كنت صاحب قرار في العالم العربي لأمرت فورا بفتح مركز كبير للترجمة متخصص فقط بنقل أمهات الكتب الاستشراقية الى لغتنا العربية. هذه هي الطريقة الوحيدة لكي نتحرر من تراكمات الماضي والانغلاقات التراثية.

 


[1] انظر نصه الذي نشرته مجلة لوموند ديبلوماتيك الفرنسية قبل أسابيع من رحيله: ادوارد سعيد: النزعة الانسانية،آخر معقل لنا ضد البربرية.منشورات مجلة لوموند ديبلوماتيك.شهر سبتمبر.2003

Edward W. Said: ‘L’humanisme, dernier rempart contre la barbarie’. Le Monde diplomatique, September 2003.

[2] انظر هجوم شخصيات اسلامية كبرى كالشيخ محمد الغزالي المصري والشيخ مصطفى السباعي السوري على المستشرق الشهير غولدزيهر لأنه طبق المنهج التاريخي- الفيلولوجي على  القرآن والحديث النبوي. فقد اعتبرا ذلك بمثابة عدوان على قداسة التراث ومحاولة للنيل منه.وكان ذلك بعد الحرب العالمية الثانية.ولكن حصل هجوم مشابه في نفس الفترة تقريبا أو قبلها بقليل على طه حسين ومحمد حسين هيكل لنفس السبب أو لسبب مشابه.وانظر أيضا هجوم عمر فروخ وأنور الجندي وبنت الشاطيء ومالك بنبي على الاستشراق . وعموما فان مثل هذه الهجمات على الاستشراق في الأوساط التقليدية لا تحصى ولا تعد.بل ووصل الأمر ببعضهم الى حد القول بأن الاستشراق يكمل ما عجزت عنه الحروب الصليبية! وهذا أكبر دليل على مدى خوف المسلمين التقليديين من تطبيق المناهج العلمية والتاريخية على التراث.وهو خوف كان موجودا أيضا لدى الأوساط المسيحية واليهودية التقليدية كما سيرد لاحقا.وبالتالي فالأصوليات الثلاثة من يهودية ومسيحية واسلامية ترفض أن يصل العلم الى ساحة التراث والمقدسات.ينبغي أن يقف على بابها فلا يدخل أبدا..وويلٌ لمن تسول له نفسه بأن ينتهك المحرمات والمقدسات!

[3] انظر: معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا.منشورات دار الساقي بالتعاون مع رابطة العقلانيين العرب.بيروت.2010

[4] Alfred Loisy :1940-1857

هو عالم لاهوت فرنسي كاثوليكي دشن عام 1902 الأزمة الحداثية مع الكنيسة الكاثوليكية بسبب تطبيقه للمنهج التاريخي على الكتاب المقدس بكلا نسختيه العهد القديم والعهد الجديد أي التوراة والانجيل.وقد اعتبر الفاتيكان ذلك بمثابة فضيحة لا تحتمل وخروجا على الايمان المسيحي الصحيح.ولذلك كفروه ونبذوه وفصلوه من سلك التعليم عام 1908. ولكن المجمع التحريري للفاتيكان الثاني أعاد له الاعتبار عام 1965 واعترف بالخطأ الذي ارتكبته الكنيسة بحقه. وهكذا انتصر بعد موته بربع قرن فقط..فمتى سيفهم المسلمون التقليديون أن المنهج التاريخي سوف يطبق على نصوصنا المقدسة أيضا طال الزمن أم قصر؟ ولن يقضي على الايمان بالضرورة لأن ألفريد لوازي ظل مؤمنا ولم يصبح ملحدا بعد انخراطه في البحث التاريخي عن أصول الانجيل والتوراة.وذلك لأن العلم التاريخي ينقلنا من الايمان القديم الضيق المتعصب الى الايمان الجديد الحر الواسع.

[5] الأسماء الواردة هي التالية باللغات الأجنبية:

Silvestre de Sacy  1838-1758, Edward William Lane 1801-1876, Reinhart Dozy 1820-1883, Michael Jan de Goeje 1836-1909, Heinrich Fleischer 1801-1888, Krachkovsky 1883-1951, Gustav Fluegel 1802-1879.

[6] Theodor Noeldeke  1930-1836: Geschichte des Korans.

[7] Moritz  Steinschneider 1816-1907, Carl Brockelmann 1868-1956, Georg Graf 1875-1955, Füat Sezgin   - 1924

[8] Alfred Von Kremer 1828-1889 , Julius Wellhausen 1844-1918,

[9] Dozy: History of Muslim Spain.1861

[10] Ignaz Goldziher 1850-1921, Hellmut Ritter 1892-1971, Louis Massignon 1883-1962.

[11] Joseph Schacht 1902-1972: An Introduction to Islamic Law.1982

[12] Wael Hallaq : An Introduction to Islamic Law, Cambridge University Press.2009

لاحظ كيف أن وائل حلاق نشر كتابا بنفس عنوان كتاب جوزيف شاخت.والغرض من ذلك تبيان الاكتشافات الجديدة التي أضافها الى سلفه الكبير.بالطبع لوائل حلاق كتب أخرى عديدة حول نفس الموضوع

[13]Hamilton Gibb 1895-1971, Gustav Von Grunebaum 1909-1972, Arendt Jan Wensink 1882-1939: Encyclopaedia of Islam. Concordance et indices de la tradition musulmane.

[14] Montgomery Watt 1909-2006, Regis Blachère 1900-1973, Henri Corbin 1903-1978, Henri Laoust 1905-1983, Jacques Berque 1910-1995, Claude Cahen 1909-1991, Roger Arnaldez 1911-2006, George Makdisi 1920-2002, Maxime Rodinson 1915-2004, Bernard Lewis 1916-…

[15] John Wansbrough 1928-2002, Joseph Van Ess 1934-…, Michael Cook 1940 - …, Patricia Crone 1945 -…, Angelika Neuwirth 1943-…, Jacqueline Chabbi 1943-…, Claude Gilliot 1940-…, Gerd Rudi-Puin 1940-…, Tilman Nagel 1942-….

[16] Jane Dammen McAuliffe : Encyclopaedia of the Quran. Brill. Leiden, 2001-2006. 5 volumes plus index.

[17] Mohammad Ali Amir-Moezzi : Dictionnaire du Coran. Robert Laffont. Paris, 2007.